في غرور فكرهم

(دراسة أرثوذكسية في التعليم البروتستانتي)

 

مقدمة: هل من أمل للبروتستانت؟

 

منذ تحوُّلي من البروتستانتية الإنجيلية إلى الإيمان الأرثوذكسي، لاحظت أن أولئك الذين تربُّوا منذ الطفولة في الإيمان الأرثوذكسي يندهشون من أن البروتستانتي قد يتحول إلى الأرثوذكسية. وذلك ليس لعدم ثقتهم من صحة إيمانهم لكن لأنهم لا يتخيلون كيف يستطيع أي شخص أن يتغلَّب على الإصرار البروتستانتي العنيد في الثبات على الخطأ!!

والذي اكتشفته مع الوقت هو أن أغلب الأرثوذكسيين ليست لهم فكرة محددة أو دراية كاملة عن ماهية البروتستانتية وأصلها، وما هو الأساس الذي يقوم عليه الفكر البروتستانتي؟. وبالتالي حينما تدور مناقشة بين من تربوا في الأرثوذكسية مع البروتستانت، فحتى مع استخدام نفس المصطلحات لكنهم يجدون صعوبة في الحوار.. أو بمعنى آخر لا يوجد بينهم أساس لاهوتي مشترك حتى يستطيعوا أن يناقشوا اختلافاتهم. وبالطبع إذا نظرنا الآن إلى ما يزيد حالياً عن عشرين ألف طائفة بروتستانتية مختلفة (والشيء الوحيد الذي يجمع بين كل تلك الطوائف هو إدِّعاء كل طائفة أنها هي وحدها التي تفهم الإنجيل!!) نستطيع أن نتفهم كيف يسبب هذا التعدد الكثير من التشويش.

ولكن بالتأكيد يوجد رجاء للبروتستانت بالرغم من كل ما يعترضهم من عوائق نحو فهم أفضل للإيمان الصحيح، فالكثير منهم يبحثون عن الفكر اللاهوتي البعيد عن التحريف، والعبادة الحقيقية والإيمان المسيحي الأصيل، وهم بالفعل يقرعون أبواب كنائسنا بالطبع قد يكون قولي هذا غريباً بالنسبة للذين لا يحاولون الإنصات. فهؤلاء قد سئموا كثرة التناقضات والإبتداعات في أمريكا البروتستانتية اليوم.

ولكن بينما نفتح لهم الأبواب يجب أن نكون مستعدين: فلهؤلاء الناس أسئلة كثيرة!! الكثير من السائلين هم خدام بروتستانت أو من عامة الشعب المستنيرين، وهم يبحثون عن الحق بإخلاص، ولكنهم محتاجون إلى التخلي عن أفكار كثيرة في ذهنهم، ويحتاجون أيضاً إلى مسيحين أرثوذكس ذوي علم يستطيعون أن يشرحوا لهم أخطاء فكرهم القديم، مسيحين أرثوذكس يفهمون أصول الفكر البروتستانتي- والأهم من ذلك- ويعرفون إيمانهم الأرثوذكسي!!.....

والغريب (أو لعل ذلك بتدبير إلهي) إن زيادة الإهتمام بالأرثوذكسية في وسط الأمريكيين البروتستانت جاء متزامناً مع إنفتاح حدود البلاد الشيوعية السابقة وهجوم لم يسبق له مثيل على شعوبها الأرثوذكسية من قبل عدد لا يحصى من الأديان والطوائف. على رأسهم نجد الأمريكيين "الإنجيليين" و"الكاريزماتكيين" ينافسون بعضهم بعضاَ على نوال شرف التباهي "بنشر الإيمان" بين الروس الملحدين! هكذا فنحن الأرثوذكس أمامنا مهمة مزدوجة. فمن ناحية توجد مهمة تقديم الإيمان [الأرثوذكسي] للبروتستانت هنا في الغرب. و لكن من الناحية الأخرى فعلينا أيضاً أن نحارب بكل جدية إنتشار الهرطقات في وسط الأرثوذكس هنا وأيضاً في البلاد التي هي تقليدياً أرثوذكسية. و في كلا الحالتين يجب علينا أن نعد أنفسنا بالمعرفة والفهم الكافي لتلك الأمور التي تواجهنا.

ربما أصعب ما نجده من سمات البروتستانتية والتي أكسبتها سمعة العناد الصلب ، هي الأفكار الكثيرة المختلفة بل والمتناقضة. وكوحش "الهيدرا"[1] Hydraالأسطوري الذي تتضاعف رؤوسه باستمرار.فإن محاولة فهم ومواجهةكل من هذة الهرطقات على حدى ليس هو السبيل الأمثل للتغلب عليها. فذلك يحتاج إلى دراسة مستفيضة في معتقدات كل طائفة من الطوائف البروتستانتية على حدة، مع معرفة تاريخ وتطور البروتستانتية عامة، وبحث عميق في لاهوتيات وطرق عبادة كل طائفة، ويجب متابعة تلك الأفكار الجديدة التي تتطور (مثل "العاطفية" emotionalism و"التحررية" (liberalism ولكن مع كل هذا قد يكون من المستحيل أن نتابع كل الطوائف الجديدة التي تظهر شبه يومياً.

ومع ذلك فعلى الرغم من كل اختلافاتهم فإن هذه المجموعة غير المنظمة- المكوَّنة من آلاف المجموعات المتفرقة تحت مسمى واحد وهو "البروتستانتية"- تتفق على افتراض واحد أساسي ، وهو أن كل طائفة بروتستانتية تؤمن بأنها وحدها قد "فهمت الإنجيل الفهم الصحيح" وإن لم يتفقوا فيما بينهم على كل ما يقوله الإنجيل ولكنهم عامة متفقون على كيفية دراسة الكتاب المقدس: بمفردك !! وبعيداً عن التقليد الكنسي...

لو استطاع الشخص أن يفهم هذا الفكر ومدى خطأه سيستطيع أن يحاور أي بروتستانتي- أي كانت طائفته- بفكر أشمل. حتى الطوائف المتباعدة عن بعضها فكرياً مثل "المعمدانيين" و"شهود يهوة*" لن نجد بينهم اختلاف كبير كما يبدو لأول وهلة، إن كنا نفهم هذه النقطة الأساسية. وهكذا إن رأيت المعمداني يتحاور مع أحد شهود يهوة حول أي موضوع في الكتاب المقدس ستجدهم في ختام الموضوع لا يستطيعون إلا أن يستشهد كل واحد بآية من الكتاب [ليثبت صحة فكره]. واذا كان الاثنان في نفس المستوى الفكري فحوارهم هذا لن يأتي بشيء لأنهم متفقان على طريقتهما في قراءة الكتاب [أي أن الإثنان يفسران الكتاب بتفسير فردي] ولأن كليهما لا يرى هذا الافتراض المشترك الذي سبق وأشرنا إليه بأن كل منهما يفهم الإنجيل بمفرده فهماً صحيحاً- بينهما فهما لا يدركان أن المشكلة تكمن أساساً في طريقتهما الخاطئة في دراسة الكتاب. وهنا يكمن قلب وحش الهرطقات، فإن طعنا الوحش في قلبه .. تسقط كل رؤوسه على الأرض مائتة!!

 

و لكن...لماذا كان فكر الاستناد على الكتاب المقدس فقط؟

 

لنفهم كيف يفكر البروتستانت، يجب أن نفهم أولاً سبب تمسكهم بفكرهم هذا. ففي الواقع يجب أن نضع أنفسنا في محل "الإصلاحيين"[2] الأوائل مثل "مارتن لوثر". ولو فعلنا ذلك لكنا نُقَدِّر بعض الشيء الأسباب التي دعتهم للتمسك بمبدأ الـSola Scriptura، حين ننظر إلى فساد كنيسة روما في ذلك الوقت وتعاليمها الفاسدة التي كانت تُعَلِّم بها وفكرها المنحرف عن التقليد الذي استخدمته لتبرر أخطائها، بالإضافة إلى إنقطاع كنيسة الغرب عن أي اتصال بتراثها الأرثوذكسي السابق لقرون طويلة، نعرف كيف كان صعب على شخص مثل "لوثر" في مثل تلك الظروف أن يأتي بنتيجة أفضل. كيف كان يستطيع أن يستند إلى التقليد للرد على تلك التجاوزات الموجودة في الكنيسة إذا كان التقليد في فكر الغرب الروماني متجسداً في "الباباوية"[3]، التي كانت هي نفسها سبب تلك التجاوزات؟ لذلك كان رأي لوثر أن الخطأ هو في التقليد وإن كان يريد إصلاح الكنيسة، فعليه أن يلجأ إلى الكلام المثبت في الكتاب المقدس.

لم يقصد لوثر أبداً في الحقيقة أن يلغي التقليد بالمرة، ولم يستخدم أبداً الكتاب المقدس وحده، بل ما كان يحاول أن يفعله هو أن يستخدم الكتاب المقدس ليتخلص من تلك الأجزاء الفاسدة في التقليد الروماني، ولكن للأسف مغالاته في المناداة بهذا المبدأ تجاوزت حتى ممارسته هو نفسه له، و"الاصلاحيين" الأكثر تشدداً تطرفوا بمبدأ الـ Sola Scriptura إلى نتيجته الحتمية.

 

 

 

 

 

 

أسباب فساد مبدأ الـ Sola Scriptura

 

(أ) هي عقيدة مبنية على أساس افتراضات خاطئة:

 

الفرضية هي أمر نعتبره قائم بالفعل مسبَّقاً عندما نفكر في موضوع ما، وعادةً ما نفعل ذلك دون أن ندري. فإذا كانت الفرضية صحيحة، يكون كل شيء سليم. ولكن الفرضية الخاطئة تؤدي لا محالة إلى نتائج خاطئة. وعادةً نرجو من الإنسان، عندما يفترض فرضية ويرى أن النتائج جاءت خاطئة، أن يسأل نفسه: "أين يكمن الخطأ؟".

فالبروتستانت الذين يريدون أن يُقَيّموا بصدق حال العالم البروتستانتي الحالي يجب أن يسألوا أنفسهم: إذا كانت البروتستانتية ومبدأها الأساسي عن الـ Sola Scriptura هي من الله، فلماذا تسببت في أكثر من 20 ألف طائفة مختلفة لا تستطيع أن تتفق على المبادئ الأساسية التي في الكتاب المقدس ولا حتى على معنى كلمة "مسيحي"؟ لماذا - إذا كان الكتاب المقدس وحده يكفي ولا حاجة إلى التقليد- فلماذا يزعم "المعمدانيون" و"شهود يهوة" و"الكاريزماتيكيين" و"الميثودست" أنهم يؤمنون بما يقوله الكتاب المقدس ولكن لا تستطيع طائفتين منهم الاتفاق على ما يقوله الكتاب المقدس؟ فواضح بأي حال من الأحوال أن البروتستانت قد وجدوا أنفسهم في وضع خاطئ، وللأسف فأكثرهم يضعون اللوم على أي شيء إلا أصل الموضوع. فمبدأ الـSola Scriptura أساسي جداً في فكر البروتستانتية بالنسبة لهؤلاء لدرجة أن الشك فيه قد يضاهي الشك في وجود الله.

ولكن كما يقول الرب "كل شجرة جيدة تصنع أثماراً جيدة وأما الشجرة الردية فتصنع أثماراً ردية" (مت17:7). فإذا حكمنا على عقيدة Sola Scriptura بثمارها سنجد أنها لابد أن "تقطع وتلقي في النار" (مت19:7)

 

أول الإفتراضات الخاطئة: دوُّن الكتاب المقدس ليكون المرجع الوحيد عن الإيمان والتقوى والعبادة

 

أولاً: هل يعلِّم الكتاب المقدس عن نفسه أنه يحوي كل شيء ؟

 

الفرض الواضح الذي يقوم عليه مبدأ "الكتاب المقدس فقط" هو أن الكتاب المقدس يحمل كل شيء عن كل ما يخص حياة المسيحي: كل ما يحتاجه عن الإيمان الحق والممارسة والتقوى والعبادة.

والآية التي يستند عليها هي هذه: " وأنك منذ الطفولية تعرف الكتب المقدسة القادرة أن تحكمك للخلاص بالإيمان الذي في المسيح يسوع. كل الكتاب هو موحي به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر لكي يكون إنسان الله كاملاً متأهباً لكل عمل صالح" (2تيمو3: 15-17)

والذين يستخدمون تلك الآية لإثبات صحة مبدأ Sola Scriptura يقولون أن هذه الآية تثبت وجوب الإكتفاء بالكتاب المقدس لأن "إذا كان الكتاب المقدس قادر أن يجعل الإنسان التقي كامل، إذاً فلا توجد حاجة للتقليد للوصول إلى الكمال والملء ".

ولكن ما الذي نستطيع أن نقوله فعلاً على أساس تلك الآيات؟

بدايةً يجب أن نسأل عما كان يقصده بولس عند كلامه عن الكتب المقدسة التي عرفها تيموثاوس منذ طفولته. لا يمكن أن يقصد العهد الجديد، لأنه لم يكن مكتوباً حين كان تيموثاوس طفلاً، بل انه لم يكن قد اكتمل حتى زمن كتابة بولس لتلك الرسالة إلى تيموثاوس، ولم يُجمّع حينذاك العهد الجديد كما نعرفه حالياً... بالتالي نرى في تلك الآية وفي أغلب إشارات العهد الجديد إلى "الكتب المقدسة" أن بولس يقصد أسفار العهد القديم.

وهكذا إن كنا نستخدم تلك الآية لتحدةد الكتابات الموحى بها والملزمة لنا فلن يتم إستبعاد التقليد فقط بل أيضاً تلك الآيات نفسها بل والعهد الجديد كله!!

ثانيا، إذا كان بولس يرى التقليد كشيء غير مُجدي، فلماذا نراه يقتبس من التقليد الشفاهي غير الكتابي في نفس هذا الإصحاح؟ "وكما قاوم ينيس ويمبرس موسى..." (2تيمو 3:8)

فنحن لا نجد إسميّ ينيس و يمبريس مدونة في العهد القديم، ولكننا نرى بولس يشير إليهما كمقاومين لموسى. فبولس هنا ينقل تلك الأسماء عن التقليد الشفاهي [اليهودي] حيث أنهما إسمي المتقدمين في مجموعة السحرة المصريين في قصة الخروج (خر 7، 8). وهذه ليست المرة الوحيدة التي نجد فيها اقتباس من التقليد في العهد الجديد. فمثال معروف جداً نجده في رسالة يهوذا، إذ نجد اقتباس من سفر أخنوخ:"وتنبأ عن هؤلاء أيضاً أخنوخ السابع من آدم قائلاً هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه" [(يه 14، 15) من أخنوخ (1: 9)]

حين إعترفت الكنيسة بقانونية أسفار الكتاب المقدس واضعةً قائمة بأسماء الكتب المُعتَرف بها ككتب مقدسة وملزمة كانت تهدف بذلك إلى حماية نفسها من أي كتاب مزور يكتبه الهراطقة ويزعمون أن كاتبه هو أحد الرسل (مثلاً: إنجيل توما). فالهراطقة لم يستطيعوا أن يثبتوا صحة تعاليمهم من خلال التقليد لأن هذه التعاليم جاءت من خارج الكنيسة، فالطريقة الوحيدة التي كانت أمامهم لإثبات وجهة نظرهم هي تحريف معاني الكتاب المقدس وكتابة كتب جديدة بأسماء الرسل أو أنبياء العهد القديم.

والكنيسة دافعت عن نفسها ضد تلك الهرطقات بالالتجاء إلى الأصل الرسولي للتقليد -ذلك من خلال التسلسل الرسولي: أي أن أساقفة ومعلمي الكنيسة كانوا يستطيعون تاريخياً إثبات بأنهم خلفاء الرسل أنفسهم- وبالاستناد إلى عمومية الإيمان الأرثوذكسي أي أن الإيمان الأرثوذكسي هو نفس الإيمان الذي قبله المسيحيون الأرثوذكسيين طوال تاريخ هذا الإيمان وفي كل العالم. الكنيسة دافعت عن نفسها ضد الكتب المزوَّرة والهرطوقية بوضع قائمة[4] ملزمة بأسماء الكتب التي قبلتها كل الكنيسة ككتب موحى بها من الله وذات أصل في العهد القديم أو من أيام الرسل.

ولم تقصد الكنيسة في وضعها لقائمة أسماء الأسفار القانونية أن تقول ضمناً إن كل الإيمان المسيحي وكل تفاصيل العبادة والنظام في الكنيسة موجودة فيهم[5]. والذي نستطيع أن نقوله بدون أي جدل أنه منذ زمن تقرير قانونية الأسفار إلى يومنا هذا لم يتغير إيمان الكنيسة أو عبادتها: هذه معلومة تاريخية مؤكدة. و بحسب تنظيم السلطة الكنسية، فالأساقفة الأرثوذكسيين هم الذين اجتمعوا في المجامع المختلفة و صاغوا قانون الأسفار [أي قائمة الأسفار القانونية] وهكذا تفعل الكنيسة الأرثوذكسية إلى يومنا هذا حين تواجه أي مسألة في الإيمان أو التأديب.

 

ثانيًا: ما هو هدف كتابات العهد الجديد؟

 

في دراسة الكتاب المقدس. يعلّم البروتستانت (و أعتقد أنهم في هذه الحالة يعلمون تعليماً صحيحاً) أنه يجب عند دراسة أي جزء من الكتاب المقدس أن نضع في اعتبارنا -مع الإعتبارات الأخرى- نوع الكتابة التي نقرأها في ذلك الجزء، لأنه بحسب نوع الكتابة يختلف الإستخدام. وأيضاً ما هو موضوع وهدف الجزء أو السفر الذي نقرأه. ففي العهد الجديد نستطيع أن نُقَسم الأسفار إلى أربع تصنيفات عامة:

1- إنجيل (بشارة) 2- سرد تاريخي (أعمال الرسل).

3- رسالة 4- نبوة (سفر الرؤيا).

فلقد كُتبت الأناجيل لتشهد لحياة المسيح وموته وقيامته، وفي السرد التاريخي نرى تاريخ شعب الله وحياة أشخاص بارزين في ذلك التاريخ ونرى تدبير الله في وسط كل هذا. أما الرسائل فكتبت أساسًا للإجابة عن مشاكل معينة كانت تثار في الكنائس المختلفة، وهكذا لم تتعرض الأمور المعروفة والمفهومة من الكل إلى أي نوع من البحث من قِبَل الرسائل عامةً. فالأمور العقائدية التي نوقشت [في الرسائل] هي تلك التي كانت موضع خلاف أو تلك التي فُهِمت خطأ[6]. والأمور الخاصة بالعبادة كانت تناقش فقط عندما توجد مشاكل متعلقة بها (كما نجد مثلاً في (1كو 11: 4)). والكتابات النبوية (مثل سفر الرؤيا) كُتبت لتُظْهر انتصار الله المحتم في آخر الأزمان.

وأول كل شيء يجب أن نلاحظ أنه لا يوجد من بين هذه التصنيفات التي في العهد الجديد تصنيف يتكلم عن العبادة كموضوع أساسي، أو يهدف إلى إعطاء تفاصيل كثيرة عن نظام العبادة في الكنيسة. ففي العهد القديم نجد بعض التفاصيل (ولكن ليس كلها) عن نظام العبادة في شعب إسرائيل (في سفر اللاويين والمزامير مثلاً). و لكن في العهد الجديد لا توجد إلا تفاصيل قليلة عن نظام عبادة المسيحيون الأوائل.. لماذا؟

لا يمكن أن يكون ذلك بسبب عدم وجود النظام في صلواتهم. فدارسي التاريخ الليتورجي قد تيقنوا [خلال الدراسات] إن المسيحيين الأوائل استمروا في صلواتهم بنظام مؤسَّس على الطقوس اليهودية، ذلك النظام الذي ورثوه عن الرسل. ولكن حتى الإشارات القليلة التي في العهد الجديد التي تشير إلى العبادة في الكنيسة الأولى تُظهر أن المسيحيين الأوائل لم يكونوا مجموعة منطلقة من "الكاريزماتكيين" المتحررين بل كانت لهم عبادات ليتورجيا كآبائهم الذين كانوا قبلهم، فكانوا يلتزمون بصلوات السواعي (أع 3: 1) وكانوا يصلون في الهيكل (أع 2: 46، 3: 1، 21: 26) وفي المجامع (أع 18: 4).

ويجب أن نلاحظ أيضاً أنه لا يوجد من بين هذه التصنيفات (انجيل، سرد تاريخي، رسالة، نبوة) ما يهدف إلى التلقين اللاهوتي. فلا نجد تعاليم أو لاهوت منهجي. ولو كان كل ما نحتاجه كمسيحيين هو الكتاب المقدس وحده، فلماذا لا نجد أي نوع من الإعلان متكامل عن عقيدتنا [كمسيحيين]؟ تخيل كيف كانت ستوجد حلول لكل الجدالات لو كان الكتاب المقدس يجاوب على كل تساؤل عقيدي بوضوح!! ولكن بالرغم من المنفعة المرجوّة من مجاوبة الإنجيل على كل تساؤلاتنا ، إلا اننا لا نجد ذلك في أسفار الكتاب المقدس.

ويجب على القارئ ألا يفهم ما نقوله خطأ. فنحن لا نريد بشئ من الكلام السابق أن نُقلِّل من شأن الكتاب المقدس- حاشا!! الكنيسة الأرثوذكسية تؤمن أن الكتاب المقدس كله موحى به من الله ومعصوم من الخطأ وملُزِم، ولكن في الواقع: الكتاب المقدس لا يحتوي على كل المواضيع التي تهم الكنيسة، فكما قلنا سابقاً أن العهد الجديد يعطي تفاصيل قليلة عن نظام العبادة، رغم أن هذا الموضوع ليس بموضوع هين في الكنيسة.

بالإضافة إلى ذلك.. فنفس الكنيسة التي سلمتنا الكتاب المقدس وحافظت عليه هي نفس الكنيسة التي سلمتنا نظم العبادة. فإن كنا لا نثق في أمانة الكنيسة في الحفاظ على طريقة العبادة الرسولية، فيجب علينا أيضاً أن نشك في أمانتها في الحفاظ على الكتاب المقدس[7].

ثالثًا: هل الكتاب المقدس كافي-واقعياً- للبروتستانت أنفسهم؟

 

يدّعي البروتستانت كثيرًا أنهم "يؤمنون فقط بالإنجيل"، لكن حين نفحص استخدامهم للكتاب المقدس يأتي إلى ذهننا الكثير من التساؤلات. مثلاً:

لماذا نجد البروتستانت يكتبون كتب كثيرة جدًا عن العقيدة والحياة المسيحية عامةً إذا كان فعلاً كل ما نحتاجه موجود في الكتاب المقدس؟

إذا كان الكتاب المقدس وحده كافي ليفهمه من يقرأ فلماذا لا نجد البروتستانت يوزعون أناجيل فقط؟

وإذا كان الإنجيل وحده كافي لماذا لا نجد نتائج ثابتة، أو بمعنى أخر لماذا لا يوجد إيمان واحد للبروتستانت؟

ولماذا نجد "تفاسير تطبيقية" (Study Bibles)كثيرة إن كان كل ما نحتاجه هو الكتاب المقدس فقط؟

ولماذا نجدهم يوزعون النبذات وكتيبات وغيرها من مادة مكتوبة أو مسموعة أو مرئية؟

ولماذا يُعلّمون ويعظون أصلاً؟ لماذا لا يقرأون الإنجيل للناس فقط؟

الإجابة على كل ذلك (رغم أنهم لا يريدون الإعتراف بذلك) هو أن البروتستانت يعرفون بالفطرة أن الكتاب المقدس لا يُفهم وحده. وفي الواقع نرى أن كل طائفة بروتستانتية لها تقليدها الخاص [أي فكرها الخاص] وإن كانوا لا يسمونه "تقليد". فهي ليست صدفة إن كل "شهود يهوه" لهم إيمان واحد مشترك بينهم وأن "المعمدانيين الجنوبيين" عامة لهم إيمان واحد مشترك بينهم أيضاً. فلا يأتي كل فرد من أفراد هذه الطوائف بأفكاره الخاصة من دراسته المستقلة للإنجيل. ولكنهم يُلَقَّنون إيمانهم الخاص حسب الطائفة التي ينتمون إليها من خلال تقليد مشترك بينهم.

إذن فالمسألة الحقيقية ليست الإيمان بالإنجيل فقط أم إستخدام التقليد معه...السؤال الحقيقي هو: "بأي تقليد سنفسر الكتاب؟" و "في أي تسليم نثق؟" هل نثق في التقليد الرسولي الذي للكنيسة الأرثوذكسية؟ أم في التقليد "العصري" والمشوش الذي للبروتستانت الذي لا نجد له جذور قبل بداية حركة الإصلاح البروتستانتية ( أي في القرن السادس عشر !!!)؟

 

ثاني الافتراضات الخاطئة:كان الكتاب المقدس هو أساس فكر الكنيسة الاولى والتقليد هو عبارة عن شوائب أدخلها الناس في وقت لاحق.

 

إننا نجد أن كلمة "تقليد" - في وسط "الانجيليين" و"الكاريزماتيكيين" خاصةً - تعتبر كلمة مشينة وهي ترادف "جسدي" أو "مائت روحيًا" أو "مدمر" أو "ناموسي" أو كل هذه. وحين يقرأ البروتستانت العهد الجديد يرون إنه من الواضح إن الإنجيل يدين التقليد كشئ يعادي الكتاب المقدس. ونجد أن صورة الكنيسة الأولى في مخيلتهم هي أن المسيحيون الأوائل كانوا يشبهون الإنجيلين أو الكاريزماتيكيين في القرن العشرين إلى حد كبير!! ولا يتخيلون أن الكنيسة الأولى كانت لها صلوات ليتورجيا أو كانت تخضع لأي نوع من التقليد. ويعتقدون أن هذه الأشياء دخلت في وقت لاحق "عندما فسدت الكنيسة". وتصبح مفاجأة للبروتستانت (كما كانت بالنسبة لي) عندما يدرسون كتابات الآباء الأولين ويرون صورة مختلفة للكنيسة عن التي كانت دائماً في ذهنهم.

فلا نجد مثلاً المسيحيون الاوائل آخذين أناجيلهم معهم إلى الكنيسة يوم الأحد لإجتماع دراسة إنجيل، فقد كانت هناك صعوبة بالغة في إقتناء نسخ ولو لجزء من الأسفار. وذلك كان بسبب قلة الامكانيات المتاحة وطول الوقت المطلوب لإصدار نسخة من الكتاب المقدس، ولهذا كان قليلون هم الذين يمتلكون نسخ من الأسفار. ولكن كانت الأسفار تُحفظ بواسطة أشخاص معينين من الكنيسة أو تحفظ في المكان الذي تجتمع فيه الكنيسة لتصلي. بالإضافة إلى أن أغلب الكنائس لم تكن تملك نسخ كاملة للعهد القديم، ولا بالطبع للعهد الجديد (الذي لم تَكمُل كتابته حتى قرب نهاية القرن الأول الميلادي ولم يجمع في صورته القانونية التي نعرفها الآن إلا في القرن الرابع ). ولكن هذا لا يعني أن المسيحيين الاوائل لم يدرسوا الكتاب المقدس، بل كانوا يدرسونه جدياً و لكن كجماعة وليس فردياً، ولأغلب القرن الأول كان المؤمنون منحصرين في دراسة العهد القديم. فمِن أين عرفوا البشارة وحياة السيد المسيح وتعاليمه، ونظام العبادة، ومن أين عرفوا ماذا يؤمنون عن طبيعة المسيح..الخ؟ لم يكن لديهم إلا التقليد الشفاهي المسلم من الرسل، فصحيح كان يوجد من سمع تلك الأمور من الرسل أنفسهم ولكن أكثر المؤمنين لم يسمعها منهم وخاصة بعد مضي القرن الأول ومعه الرسل أنفسهم. الأجيال اللاحقة كانت لها كتابات الرسل من خلال العهد الجديد، ولكن اعتماد الكنيسة الأولي في معرفتها للإيمان المسيحي كان تقريبًا اعتماداً كلياً على التسليم الشفاهي. هذا الاعتماد على التسليم واضح في كتابات العهد الجديد نفسها. فمثلاً نرى القديس بولس يحث التسالونيكين قائلاً "فأثبتوا إذًا أيها الأخوة وتمسكوا بالتقليدات[8] (التعاليم) التي تعلمتموها سواء بالكلام [أي التسليم الشفاهي] أو برسالتنا" (2تس 2: 15).

الكلمة التي تُرجمت إلى "تقليدات" هي الكلمة اليونانية "paradosis". ورغم إنها تُترجم بطريقة مختلفة في بعض الطبعات البروتستانتية فهي نفس الكلمة التي يستخدمها اليونان الأرثوذكس في كلامهم عن التقليد. وقليل من الدارسين الأكفاء للكتاب المقدس يستطيعوا أن يجادلوا في معنى الكلمة. والمعنى الحرفي لهذه الكلمة هو "ما يتم تسليمه" "what is transmitted"، وهي نفس الكلمة التي استخدمت في الإشارة السلبية إلى التعاليم الخاطئة التي للفريسيين:

 

"لأن الفريسيين وكل اليهود إن لم يغسلوا أيديهم بإعتناء لا يأكلون متمسكين بتقليد الشيوخ...ثم سأله الفريسيون والكتبة لماذا لا يسلك تلاميذك حسب تقليد الشيوخ بل يأكلون خبزاً بأيد غير مغسولة. فأجاب وقال لهم: حسناً تنبأ أشعياء عنكم أنتم المرائين كما هو مكتوب هذا الشعب يكرمني بشفتيه وأما قلبه فمبتعد عني بعيداً. وباطلا يعبدونني وهم يُعَلِّمون تعاليم هي وصايا الناس. لأنكم تركتم وصية الله وتتمسكون بتقليد الناس.." (مر7: 3- 8)

 

واستخدمت في الإشارة إلى التعليم المسيحي الملزم:

 

"فامدحكم ايها الاخوة على انكم تذكرونني في كل شيء و تحفظون التقليدات (التعاليم) كما سلمتها اليكم." (1كو11: 2)

"فأثبتوا إذًا أيها الأخوة وتمسكوا بالتقليدات (التعاليم) التي تعلمتموها سواء بالكلام [أي التسليم الشفاهي] أو برسالتنا" (2تس 2: 15).

 

فما الذي يجعل تقليد الفريسيين خاطئ وتقليد الكنيسة سليم؟

الإجابة هي: المصدر!! فالمسيح أوضح مصدر تقليد الفريسيين حين أسماها "وصايا الناس" (مر8:7)، وفي المقابل نرى ق.بولس يقول مشيراً إلى التقليد المسيحي: "فامدحكم أيها الأخوة أنكم تذكروني في كل شيء وتحفظون التقليدات [paradoseis] كما سلمتها [paredoka: صيغة الفعل لـparadosis] إليكم (1كو2:11)

ولكن من أين أتى بهذه التقليدات من الأصل؟

" لأني تسلمت من الرب ما سلمته [paredoka] لكم "(1كو23:11)

وهذا هو ما تشير إليه الكنيسة حين تتكلم عن التسليم الرسولي: "الإيمان المُسَلَّم [paradotheise] مرة للقديسين"(يه3). المصدر هو المسيح وقد سلمه بنفسه للرسل من خلال كل ما قاله وفعله هذا الذي إذا كُتِبَ كله فلا يمكن "أن العالم نفسه يستطيع أن يسع الكتب المكتوبة" (يو25:21) . والرسل سلموا تلك المعرفة إلى الكنيسة كلها، و الكنيسة إذ صارت مستودع لذلك الكنز صارت "عمود الحق وقاعدته" (1تيمو15:3)

فشهادة العهد الجديد واضحة في هذه النقطة: المسيحيون الأوائل كان لهم التسليم الشفاهي والكتابي اللذان تسلموهما من المسيح من خلال الرسل. بالنسبة للتسليم الكتابي كان لهم في بادئ الأمر مجرد أجزاء من الكتاب المقدس: قد تكون لكنيسة رسالة، ولكنيسة أخرى إنجيل... ومع الوقت جُمّعت هذه الكتابات معًا في مجموعات إلى أن أصبحت العهد الجديد [كما نعرفه الآن] .

وكما سبق وقلنا أنه كانت توجد رسائل وأناجيل مزورة كثيرة وقد إدَّعى الهراطقة أن الرسل هم كاتبوها ،فكيف عرفوا الأسفار الصحيحة من الأسفار الأخرى ؟ قد قرروا قانونية الأسفار من خلال التسليم الرسولي الشفاهي.

البروتستانت يواجهون فكرة التقليد بنوع من العداء لأن الصورة الوحيدة عن التقليد التي كانت أمامهم بصفة عامة هي تلك التي كانت في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية. وعلى عكس النظرة الرومانية عن التقليد -المجسَّدة في البابوية- التي تستحدث عقائد جديدة غير معروفة سابقًا في الكنيسة (وواحدة من أبغض أمثلتها هي عصمة البابا[9])- فالأرثوذكسيين لا يؤمنون بأن التقليد يتغير أو يُزاد عليه. بالتأكيد حينما تواجه الكنيسة هرطقة معينة تضطر إلى تعريف الفرق بين الحق والباطل بأكثر دقة ولكن الحق لا يتغير. نستطيع أن تقول أن التقليد ينمو بمعنى أن الكنيسة وهي تمتد في الزمن لا تنسى خبراتها خلال تاريخ مسيرتها، وتذكر القديسين الذين كانوا فيها، وتحفظ كتابات هؤلاء الذين شهدوا للإيمان الصحيح، وأما الإيمان نفسه فهو "مُسَلَّم مرة للقديسين" (يه 3)

ولكن كيف نضمن إن الكنيسة حفظت نقاوة التقليد الرسولي؟ الإجابة القصيرة هي أن الله قد حفظه في الكنيسة لأنه وعد بذلك. المسيح قال إنه سيبني كنيسته وأن " أبواب الجحيم لن تقوى عليها"(مت 16: 18). فالمسيح نفسه هو رأس الكنيسة (أف 4: 16) والكنيسة هي جسده (أف 1: 22- 23) وإذا كانت الكنيسة قد فقدت التقليد الرسولي النقي فلا يكون الحق بعد حق، فالكنيسة هي "عمود الحق وقاعدته" (1تيمو 3: 15)

فالفكرة البروتستانتية الشائعة عن تاريخ الكنيسة -أن الكنيسة سقطت منذ زمن قسطنطين إلى زمن ثورة الإصلاح- تجعل هذه الوعود وآيات أخرى كثيرة بلا معنى. إذا فقدت الكنيسة صفتها ككنيسة ولو ليوم واحد فهذا معناه أن أبواب الجحيم قَوِيَتْ عليها في ذلك اليوم. وإذا كان الحال هكذا فقد كان يجب على المسيح حين كان يتكلم عن الكنيسة في مَثَل حبة الخردل (مت 13: 31- 32) أن يتكلم عن نبتة بدأت تنمو ولكنها سُحِقَت وفي مكانها نمت حبة أخرى فيما بعد. ولكننا نراه يستحدم صورة حبة الخردل التي تبدأ صغيرة ولكنها تنمو إلى أن تصبح أكبر الأشجار.

وهؤلاء الذين يحاولون الإدعاء بأنه كانت توجد جماعة من البروتستانت ذو الإيمان الصحيح يعيشون في كهوف في مكان ما لألف سنة... أين يوجد ما يثبت ذلك؟ جماعة "الوالدنسيين" [10]Waldensians (التي يدعى جميع الطوائف من "الخمسينيين" إلى "شهود يهوة" انهم خلفاء لهذه الجماعة) لم يكن لها وجود قبل القرن الثاني عشر. وإنه من الصعب أن نقول أن هؤلاء "المؤمنون الحقيقيون" كانوا قد كابدوا الآلام من الاضطهاد الروماني الشرس ولكنهم بعد ذلك هربوا إلى الجبال عندما أصبحت المسيحية ديانة رسمية. ولكن حتى هذه الفكرة قد نقول إنها ممكنة إذا ما قارناها بفكرة أن تكون هذه الجماعة قد عاشت لمدة ألف سنة بدون أن تترك أي أثر تاريخي يدل على وجودها!

وهنا قد نجد من يعترض قائلاً إنه كان يوجد فعلاً أشخاص في تاريخ الكنيسة علَّموا تعليماً مختلفاً عن التعليم الذي علَّمه أشخاص آخرون.. فمن الذي كان له أن يقول ما هو التقليد الرسولي؟ وإذا تطور فكر خاطئ مع الزمن، كيف نستطيع أن نميزه عن التقليد الرسولي؟ والبروتستانت يسألون هذه الأسئلة لأنه في الكنيسة الكاثوليكية قد تطورت فعلاً تقاليد جديدة فاسدة. ولكن هذا حدث لأن الغرب اللاتيني كان في بادئ الأمر قد حرَّف معنى وطبيعة التقليد. فالمفهوم الأرثوذكسي الذي كان متواجدًا قديمًا في الغرب وحُفِظ في الكنيسة الأرثوذكسية هو أن التقليد في جوهره غير قابل للتغيير وهو معروف من خلال شمول فكره أو جامعيته.

التقليد الرسولي الصحيح هو الموجود بالإجماع التاريخي في تعليم الكنيسة. فلكي تجد التعليم الحق فعليك أن تبحث عما كانت تؤمن به الكنيسة كلها بأكملها عبر التاريخ. أي فكر لم يثبت تاريخيًا أن الكنيسة إستلمته خلال تاريخها يعتبر هرطقة. ولكن لاحظ أننا نتكلم عن الكنيسة وليس عن المجموعات المنشقة عنها. كان يوجد هراطقة ومنشقين الذين أنشقوا عن الكنيسة حتى في أيام كتابة العهد الجديد ويوجد منذ ذلك الحين ودائماً أناس مثلهم فالرسول يقول "لأنه لابد أن يكون بينكم بدع أيضاً ليكون المزكون ظاهرين بينكم" (1كو 11: 19).

 

ثالث الافتراضات الخاطئة: يستطيع أي شخص وحده أن يفسر الإنجيل دون إرشاد الكنيسة

 

أيّاً كان رأي البروتستانت في طريقة صياغة هذا الإفتراض، فقد كان هذا هو الفكر الغالب بين الإصلاحيين حين تبنوا فكرة Sola Scriptura . وطريقة تفكيرهم في هذا الموضوع هو أن معنى الكتاب المقدس واضح لدرجة أن أي شخص يستطيع أن يفهمه بمجرد قرائته بنفسه. وهكذا فقد رفضوا فكرة الاحتياج إلى الكنيسة للتفسير. وهذا المبدأ هو ما قاله الدارسين اللوثريين الذين تبادلوا الرسائل مع البطريرك أرميا الثاني (بطريرك القسطنطينية)[11] صراحةً بعد موت لوثر بثلاثين عام: "قد يقول قائل إن الأسفار المقدسة خالية من أي خطأ ولكنها مخفية بسبب عدم وضوحها، وانه بدون تفاسير الآباء الحاملين للروح القدس لا يمكن أن تُفهم الأسفار. ولكن الحقيقة أنه في نفس الوقت أن ما كُتب بطريقة تُفهم بالكاد في جزء ما، نجده مشروحاً بإستفاضة في موضع آخر بحيث يفهمه حتى أبسط الناس".

ورغم أن هؤلاء الدارسين اللوثريين قد استخدموا كتابات الآباء، إلا إنهم كانوا يقولون أنها ليست ضرورية، وإنه إذا وُجد تناقض بحسب فهمهم الخاص- بين كتابات الآباء وما يقوله الكتاب فإن كتابات الآباء كان لا يُعتد بها. وحقيقة ما كانوا يقولونه هو أنه حيث إختلف تعليم الآباء مع آرائهم الشخصية في معنى الكتاب المقدس كانوا يعتقدون برأيهم أكثر من رأي آباء الكنيسة. فبدل الإنصات إلى الآباء الذين ثَبُتَ برّهم وقداستهم، فقد أعطوا الأولوية للمنطق البشري. وهذا المنطق البشري هو الذي جعل غالبية الدارسين اللوثريين يرفضون أغلب عقائد الكتاب المقدس (و من ضمنها لاهوت المسيح، القيامة...) ويرفضون أيضاً الإيمان "بوحي الكتاب المقدس" نفسه، ذلك المبدأ الذي إدعى اللوثريون الأوائل أنهم أسسوا عليه إيمانهم بالكامل.

وقد رد عليهم البطريرك أرميا الثاني كاشفًا بوضوح ماهية التعاليم اللوثرية الحقيقية:

"لنقبل إذاً تقليد الكنيسة بصدق القلب وليس بكثرة الإختراعات لأن الله صنع الإنسان مستقيماً. أما هم فطلبوا اختراعات كثيرة (جامعة 7: 29). فلا نترك أنفسنا لنقبل إيماناً جديداً مُدان من تقليد الآباء لأن الرسول يقول "إن كان أحد يبشركم بغير ما قبلتم فليكن أناثيما" (غل 1: 9).

 

(ب) هو مبدأ لا يتطابق مع معاييره هو نفسه:

 

قد نتخيل أن من يؤمن بالإيمان البروتستانتي وأساسه العقيدي بأن الكتاب المقدس وحده هو الذي يُعتد به فيما يتعلق بالإيمان قد يحاول أولاً أن يثبت أن هذا المبدأ الأساسي يتطابق مع معاييره هو نفسه. فكنا نتوقع أن يأتي البروتستانت بمئات الآيات من الكتاب المقدس التي تثبت أن هذا المبدأ - الذي أسسوا عليه جميع معتقداتهم- صحيح. كنَّا نرجو على الأقل أن نجد آيتين أو ثلاثة ليس فيهم شك تثبت صحة هذا المبدأ، لأن الكتاب المقدس نفسه يقول "على فم شاهدين أو ثلاثة تقوم كل كلمة" (2كو 13: 1) ولكن ... يجب أن أقول إنه لا توجد ولو آية واحدة في كل الكتاب المقدس تعلم بمبدأ Sola Scriptura، ولا توجد آية واحدة حتى تقول ذلك ضمنًا. صحيح أننا نجد آيات كثيرة تتكلم عن وحي الكتاب المقدس، ووجوب الالتزام به وبركات الإنصات له، ولكن لا يوجد جزء في الكتاب المقدس يقول للمؤمنين ان يخضعوا للكتاب المقدس فقط. فلو كان يوجد تعليم صريح مثل ذلك في الكتاب المقدس لكان الآباء علموا بهذه الحقيقة بالتأكيد، ولكن مَن مِن الآباء علّم بها؟ فهكذا نرى أن تعليم البروتستانت الأساسي يهدم نفسه إذ يناقض نفسه.فليس فقط إننا لا نجد ما يثبت صحة مبدأ Sola Scriptura في الكتاب المقدس، بل على العكس نحن نجد ما يناقضه في الكتاب المقدس (كما أشرنا من قبل) من آيات تتكلم عن أهمية التقليد بالنسبة للمسيحيين (تس 2: 15، 1كو 11: 2).

 

 

 

 

 

(ج) مناهج بروتستانتية غير صالحة لتفسير الكتاب المقدس:

 

منذ الأيام الأولى لثورة الإصلاح قد إضطر البروتستانت أن يواجهوا حقيقة انه بقراءة الكتاب المقدس بالمنطق الفردي فقط نجد الناس غير قادرة على الاتفاق على المبادئ الأساسية في العقيدة. ففي حياة "مارتن لوثر" نفسه نجد الكثير من الجماعات التي ادعت أنها تؤمن بالكتاب المقدس فقط ورغم ذلك فقد اختلفت معه.

فـ"لوثر" وقف بشجاعة أمام مجمع محاكمته في مدينة "وورمز" [12]The Diet of Worms وأعلن أنه إن لم يُقْنَع بخطأه من خلال الكتاب المقدس أو بالبرهان المنطقي فإنه لن يتنازل عن أي تعليم من تعاليمه. ولكن بالرغم من ذلك فإننا نرى في وقت لاحق إنه عندما طلب جماعة الـ"أنابابتست" Anababtists [13](الذين اختفلوا مع اللوثرين في عدد من النقاط) من اللوثريين أن يناقشوا معتقداتهم، قتلوهم اللوثريين بالآلاف! فأين "حق الفرد في قراءة الكتاب المقدس وحده" ؟!

وبالرغم من أن الإنقسامات السريعة المستمرة للحركة البروتستانتية أوضحت أنه يوجد خطأ واضح في مبدأ Sola Scriptura ، إلا أن البروتستانت-حتى لا يعترفوا بانهزامهم أمام بابا روما- أتوا بالإستنتاج أن المشكلة الحقيقة هي أن هؤلاء الذين اختلفوا معهم (أي كل الطوائف باستثناء طائفتهم) قرأوا الكتاب المقدس بطريقة خاطئة. فلذلك قدموا طرق متعددة للدراسة كحل لهذه المشكلة.

وواضح إننا مازلنا في انتظار منهج لدراسة الكتاب المقدس يستطيع لمّ شمل الانقسامات اللانهائية للبروتستانتية، ولكن البروتستانت مازالوا يبحثون عن ذلك "المفتاح السري" الذي فيه الحل للمشكلة. لنفحص الآن بعض هذه المناهج الأكثر إنتشارًا التي جربها البروتستانت والني قد لا تزال تنادي بها أي جماعة منهم.

 

منهج (1): خذ المعنى المباشر..فالمعنى الواضح

 

هذه الطريقة هي بلا شك الطريقة الأولى التي انتهجها "الإصلاحيون". وإن كانوا قد اكتشفوا مبكرًا أن هذا المنهج وحده غير كافٍ لحل المشاكل المتعلقة بمبدأ الـ Sola Scriptura. ورغم أن هذا المنهج كان فاشلاً منذ البداية إلا أننا نجد هذا المنهج لدى الأقل تعليماً من "الأصوليين" Fundamentalists و"الإنجيليين"Evangelicals و"الكاريزماتكيين" Charismatics الأقل تعليمًا. فالقول بأن "الإنجيل يقول ما يعنيه ويعني ما يقوله "شائع جدًا بين هؤلاء. ولكن عندما نأتي إلى نصوص إنجيلية لا تتفق مع الفكر البروتستانتي، مثل أن نقرأ عن إعطاء المسيح قوة غفران الخطايا (يو 20: 23) أو عندما قال عن الإفخارستيا "هذا هو جسدي.. هذا هو دمي" (مت 26: 26، 28) أو عندما قال بولس أنه على النساء أن يغطين رؤوسهن وهن في الكنيسة (1كو 11:1-16) نجد فجأة أن الإنجيل لم يعد "يعني ما يقوله"...ويزعمون أن "هذه الآيات لا نستطيع أن نأخذها بالمعنى الحرفي.." (!!؟)

 

 

 

منهج (2): الروح القدس يعطي الفهم الصحيح

 

+ مع ظهور مجموعات كثيرة تحت راية ثورة الإصلاح غير قادرة على الإتفاق في تفسير الكتاب المقدس، كان لابد أن الحل الثاني للمشكلة سيكون في القول أن "الروح القدس سيرشد البروتستانتي التقي ليفسر الإنجيل تفسير سليم". لكن بالطبع أي شخص إختلف معك في التفسير لا يمكن أن يكون منقاد بنفس الروح. وبالتالي نجد أن كل طائفة بروتستانتية نزعت من هؤلاء الذين اختلفوا معهم صفة المسيحية. إن كان هذا المنهج هو المنهج الصحيح فهذا معناه إنه في التاريخ لم توجد إلا طائفة واحدة بروتستانتية هي التي فسرت الإنجيل تفسير صحيح. ولكن أي طائفة من آلاف الطوائف الموجودة هي الطائفة الصحيحة؟! بالطبع الإجابة تعتمد على الطائفة الذي ينتمي إليها البروتستانتي الذي تسأله...ولكننا نستطيع أن نتيقن من شيءٍ واحدٍ: أن من ستسأله يعتقد أن طائفته هي الطائفة الصحيحة.

+ ولكننا نجد اليوم أن الإحتمال الغالب هو في أنك ستقابل البروتستانتي الذي (حسب الطائفة التي ينتمي إليها) يرى مفهوم "إمتلاك الحق" بطريقة نسبية، من انك ستقابل ذلك الذي يصرّ على أن طائفته هي الوحيدة التي تمتلك الحق. فمع زيادة الطوائف على الطوائف الموجودة نجد أنه من الصعب على أي واحد منهم أن يقول لك باقتناع كامل أنهم هم وحدهم الذين فهموا الكتاب (وإن كان يوجد البعض يقولون هكذا). وقد أصبح من المنتشر بين الطوائف البروتستانتية تقليل من شأن الإختلافات بين بعضها البعض، ونجدهم أيضاً ً يقولون ببساطة أن هذه الإختلافات "غير مهمة" في سبيل المحبة، وأنه من الممكن "أن تمتلك كل طائفة جزء من الحق وليس الحق كله" (وهكذا يكون منطقهم). وهكذا كانت بداية فكرة المسكونية الزائفة رغم وجود هرطقات كثيرة. فالآن يوجد الكثير من المسيحيين الذين يتركون أفكارهم المسكونية تتعدى حدود المسيحية نفسها، إذ يؤمنون أن كل الأديان عندها أجزاء من الحق! والإستنتاج الواضح الذي يأتي به البروتستانتي الحالي من ذلك هو أنه لكي ما نجد الحق فعلى كل طائفة أن تتغاضى عن اختلافاتها مع الطوائف الأخرى وتضع "الجزء الذي تمتلكه من الحق" في إناء واحد وإذ نخلطهم معاً، سنجد الحق الكامل أخيرًا !!!

 

منهج (3):لندع الآيات الواضحة تفسر الآيات الغامضة

 

لابد أن هذا المنهج كان يبدو كالحل الأمثل لمشكلة كيفية تفسير الكتاب المقدس وحده. أن نأخذ الآيات "المفهومة بسهولة" لتفسر لنا الآيات التي لا تبدو واضحة. المنطق من وراء هذا المنهج بسيط، وهو أنه إن كانت توجد آية تقول الحق بطريقة غير واضحة فبالتأكيد قد نجد نفس الحق في آية أخرى في الإنجيل بأكثر وضوح. وهكذا إذا استَخدمْتَ الآيات الواضحة كمفتاح للآيات الصعبة تفهم معناها. كما قال الدارسين اللوثريين في رسالتهم إلى البطريرك آرميا الثاني: "هكذا لا توجد طريقة أفضل لتفسير الكتاب المقدس من أن نفسره بنفسه، لأن الكتاب المقدس قد كُتب بواسطة الروح الواحد، وهو (أي روح) أفضل من يفهم مشيئته وأفضل مَن يتكلم عن قصده".

وإن بدا هذا المنهج كمنهج ملائم إلا إنه لم يعط حلاً لمشكلة الفوضى البروتستانتية وانقساماتها. النقطة التي عندها يفشل هذا المنهج بالكلية هي في التفريق بين الآيات "الواضحة" و الآيات "الغامضة". فـ"المعمدانيون" الذين يؤمنون بإستحالة أن يخسر المسيحي خلاص نفسه يرون (في وجهة نظرهم) بعض الآيات التي تؤيد عقيدة إستحالة هلاك [المؤمن] بكل وضوح. فمثلاً "لأن هبات الله ودعوته هي بلا ندامة" (رو 11: 21) و "خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها فتتبعني وأنا أعطيها حياة أبوية ولن تهلك إلى الأبد ولا يخطفها أحد من يدي" (يو 10: 27- 28). ولكن حين يقرأ "المعمدانيون" الآيات التي تقول عن إمكانية فقدان الخلاص مثل "بر البار لا ينجيه في يوم معصيته " (حز 33: 12) حينئذ نجدهم يستخدمون الآيات "الواضحة" (الواردة أولاً) ليبرهنوا على صدق معتقدهم رغم وجود مثل تلك الآية "الغامضة" (الواردة أخيراً)!

أما "الميثودست"Methodists الذين يؤمنون بإمكانية هلاك المؤمن إذا ما أهمل خلاصه، فلا يجدون أي غموض في آية مثل تلك التي ذُكرت سابقاً "بر البار لا ينجيه في يوم معصيته" (حز 33: 12) بل يرونها واضحة. وعلى العكس، فهم يرون الآيات التي يراها "المعمدانيين" كتلك التي تثبت صدق اعتقادهم عن استحالة هلاك المؤمن مثل (رو11: 21) و(يو10: 27- 28) انها "غامضة" فيفسرونها علىضوء الأيات التي تبدو لهم (أي "للميثودست") "كواضحة". وهكذا نجد الميثودست والمعمدانيين كل واحد منهم يستشهد بآيات مختلفة وكل واحد يتعجب كيف لا "يرى" الآخر ما يبدو "واضح جدا ً"بالنسبة له!!

 

منهج (4): التفسير التاريخي والنقدي

(يشرح كاتب المقال في هذا الجزء الأسلوب البروتستانتي لفهم الكتاب من خلال الإعتماد على المنطق والفلسفة والدراسات العلمية والتاريخية وقد قمنا بوضع عناوين جانبيه لتسهيل متابعةهذا الجزء )

الأساس الفكري لهذا المنهج :

 

بإنغماسهم في بحر من الآراء الشخصية والإنقسامات، بدأ البروتستانت يبحثون عن أي منهج دراسي به نوع من الموضوعية. ومع مرور الوقت وتكاثر الإنقسامات أصبح العلم والمنطق هما الطريق الذي به حاول اللاهوتيون البروتستانت ان يأتوا بنوع من التماسك لتفاسيرهم الإنجيلية. هذا المنهج العلمي يسمى "التفسير التاريخي النقدي" "Historical-Critical Exegesis". وهو المنهج المستخدم غالبًا في الدراسات البروتستانتية وحتى في هذا القرن قد إبتدأ ينتشر في الدراسات الكاثوليكية الرومانية.

فمع بداية ما يسمى بـ"عصر التنوير"، أصبح يبدو إمكانية حل كل مشاكل العالم بالعلم. وأصبح الدارسون البروتستانت يطبقون فلسفة العلم ومنهجه في دراسة اللاهوت والكتاب المقدس. فمنذ عصر التنوير قد حلل الدارسون البروتستانت كل وجه من أوجه الكتاب المقدس: تاريخه، مخطوطاته، لغاته.. الخ. فقد حاول هؤلاء الدارسين تحليل كل جزء فيه بأحسن وأحدث ما يستطيع أن يقدمه العلم كما لو كان الكتاب المقدس عبارة عن إكتشاف من الإكتشافات الأثرية!

ولأجل الإنصاف، يجب أن نقول أن تلك الدراسات قد أتت بمعلومات مفيدة كثيرة، ولكن للأسف قد أتى أيضاً هذا المنهج بأخطاء جسيمة وأساسية، ولكنها تحاط بهالة من الموضوعية العلمية التي تجعل الكثيرين يقعون تحت تأثيرها.

وكالمناهج الأخرى التي ينتهجها البروتستانت، هكذا هذا المنهج يحاول فهم الكتاب المقدس متجاهلاً التقليد الكنسي. وإن كان لا يوجد منهج بروتستانتي واحد للتفسير ولكن كل الطرق تحاول (على حد قولهم) ان "تجعل الكتاب المقدس يتحدث عن نفسه". وطبعًا لا يستطيع أحد يقول عن نفسه أنه مسيحي أن يعارض ما "يقوله" الكتاب المقدس إن كان بالفعل "يتكلم عن نفسه" من خلال هذه الدراسات. ولكن المشكلة تكمن في هؤلاء الذين يعيِّنون أنفسهم كألسنة للكتاب المقدس الذين ينتقون منها ما يناسب اعتقاداتهم، ورغم إدعائهم بأنهم موضوعيون، فإنهم يفسرون الكتاب المقدس حسب تقليدهم الخاص وعقائدهم وخاصة وإن كانوا من "الأصوليين"Fundamentalists أو "المتحررين العقلانيين"Liberal Rationalists. فما قد فعله البروتستانت هو النظر في بئر التاريخ ليروا معاني الكتاب المقدس، وقد كتبوا كتب كثيرة من هذا المنظور التاريخي ولكنهم وللأسف لم يروا فيها سوى انعكاسات لأفكارهم الخاصة .

وقد أخطأ الدارسون البروتستانت (إن كانوا من "المتحررين" أو "المحافظين") في استخدامهم للطرق التجريبية في مجال اللاهوت والدراسات الكتابية. وأنا استخدم لفظ "التجريب" لوصف هذه الاجتهادات. واستخدم هذا اللفظ عامة" للإشارة إلى النظرة العقلية والمادية التي امتلكت العقلية الغربية وهي آخذة في الإنتشار في العالم كله. فمدرسة الـpositivist[14]* الفكرية، التي تنتمي إليها نظرية التجريب، تحاول إيجاد أرضية راسخة من المعرفة "المؤكدة". فالفكر التجريبي هو الإقتناع بأن كل المعرفة مبنية على الإختبار، وإننا لا نستطيع أن نجزم بحقيقة وجود شئ إلا من خلال الملاحظة العلمية.

ومع هذا الفكر كان أيضاً منهج "التشكيك"، الذي نراه جليًا مثلاً- في فلسفة "رينيه ديكارت" الذي بدأ فلسفته بعرض فكرة الشك في كل شئ في الكون ما عدا وجود الشخص ذاته وعلى أساس هذه الحقيقة غير المشكوك فيها ("أنا أفكر ...إذن أنا أكون" I think، therefore I am ) قد "بنى" فكره الفلسفي.

 

أمثلة لإستخدام الطوائف البروتستانتية المختلفة لهذا المنهج:

و"الإصلاحيين" في بادئ الأمر كانوا راضيين بفكرة أن الكتاب المقدس هو الأساس الذي يستطيعون أن يبنوا عليه أي فكر لاهوتي أو فلسفي، ولكن مع تطور الفكر البشري في عصر التنوير، فقد تحول الدارسون البروتستانت إلى تطبيق هذا الفكر العقلي البشري على الكتاب المقدس نفسه باحثين عما يستطيعون أن "يجزموا بمصداقيته" فيه [على حد قولهم]!! ونرى الآن الدارسين البروتستانت "المتحررين" قد انتهوا من هذا المجهود، وليس لهم الآن إلا آراءهم وأحاسيسهم الخاصة كأساس لإيمانهم الضئيل.

أما البروتستانت "المحافظون" فكانوا أقل ثباتًا في منهجهم العقلاني. ولذلك حفظوا تقديسهم للأسفار وإيمانهم بأنها موحى بها من الله. إلا أن منهجهم وحتى الأصوليون Fundamentalists منهم الأكثر تشدداً- له جذوره المشتركة مع المنهج العقلاني الذي للمتحررين منهم.

نرى مثال واضح لذلك في فكر "الأصوليين التدبيريين" "Dispensational Fundamentalists" الذين لهم نظرية معقدة تقول أن الله عبر التاريخ له "تدابير" مختلفة مع البشر، "كالتدبير الآدمي"، "التدبير النوحي"، "التدبير الموسوي"، "التدبير الداودي" ... إلخ. ونحن نستطيع أن نرى بعض الحق في هذه النظرية ولكنهم يُعلّمون أيضاً أنه كما كانت توجد "تدابير" مختلفة في العهد القديم، هكذا أيضاً في العهد الجديد فنحن الآن نعيش تحت "تدبير" مختلف عما كان يعيش فيه مسيحيو القرن الأول، فهم يزعمون أنه رغم استمرار حدوث المعجزات في "عصر العهد الجديد" فإنها لا تحدث في عصرنا هذا. إن هذا لمثير حقاً إذ أنه علاوة على أن هذه النظرية ليس لها سند كتابي- فهي تسمح لهؤلاء الأصوليين التدبيريين بتصديق معجزات الكتاب المقدس ولكن على مستوى الحياة اليومية فهي تسمح أن يعيشوا بمنهج تجريبي (أي أن ينكروا إمكانية حدوث المعجزات في العصر الحالي ، معتمدين على المنطق العقلي البشري وعلى الإختبار).

 

 

السلبيات الناتجة من إستخدام هذا المنهج:

 

+ وهكذا نرى أنه رغم ما يبدو لأول وهلة أن هذا المنهج التجريبي يستخدم لخدمة الدراسات الأكاديمية فقط وليس له علاقة بفكر الإنسان البروتستانتي العادي، إلا أننا لا نستطيع القول بأن هذا المنهج لم يترك أثراً سلبياً على الشخص البروتستانتي العادي المحافظ والمتدين.

+ المغالطة الكبرى في هذا المنهج "العلمي" لدراسة الكتاب المقدس تكمن في تطبيقه الخاطئ للافتراضات التجريبية في الدراسات التاريخية والكتابية واللاهوتية[15]. هذه الأساليب تجدي عندما تُطَبَّق في مجالات العلوم الطبيعية، ولكن حين نحاول تطبيقها حيث لا يصلح أن تُطَبَّق -مِثل أن نحاول تطبيقها على اللحظات الفريدة في التاريخ (حيث لا نستطيع أن نعيدها أو نقيم عليها التجارب)- فإننا نرى عدم امكانية الوصول إلى نتائج دقيقة أو ثابتة. فلم يخترع العلماء بعد تليسكوباً يستطيع النظر في العالم الروحي، ولكن وعلى رغم ذلك نجد الكثير من الدارسين البروتستانت يجزمون بأن في ضوء العلم تكون فكرة وجود الشياطين أو الشيطان نفسه فكرة غير ثابتة علمياً. فحتى وإن ظهر الشيطان نفسه أمام من ينتهج هذا المنهج التجريبي سنراه (ذلك الشخص) يفسر ظهوره هذا بطريقة تتوافق مع رؤيته العلمية الخاطئة. وإن كان أصحاب هذا المنهج يفتخرون بأنهم "مُتَفتِّحون" نراهم قد أُعمِيَت أبصارهم بسبب أفكارهم الخاصة لدرجة أنهم لا يرون ما لا يوافق رؤيتهم الخاصة للحقائق.

+ المنهج التجريبي هذا، إذا ما تم تطبيقه بثبات، فاننا سنجده يُكذِّب كل أنواع المعرفة (حتى الفكر التجريبي نفسه). ولكن البروتستانت الذين يتبنون هذا المنهج لا يلتزمون به التزاماً كاملاً بل يطبقونه حسب هواهم لأن هذا المنهج في عدم اعتداده بالمرة بالإختبار الإنساني، قد أصبح له -بسبب تمسكه بالعلم- مصداقية قوية، حتى أن علو مكانته قد غطى على العيوب الأساسية التي في هذا المنهج.

فالعلاقة بين الاستنتاجات المتطرفة التي أتى بها البروتستانت "المتحررون" والإستنتاجات الأكثر تحفظًا التي أتى بها "المحافظون" قد لا تبدو واضحة لكثيرين (وبالأخص المحافظين الأصوليين!!). فرغم إن البروتستانت المحافظين يرون أنفسهم أنهم على عكس فكر المتحررين إلا إنهم هم الإثنين يدرسون الكتاب المقدس بنفس الطرق في الأساس وبنفس الفكر الفلسفي، وهكذا فالفرق بين "المتحررين" و"المحافظين" ليس في الأساس الفكري بل هو في المدى الذي تطرفوا إليه في استنتاجاتهم.

+ إذا كان التفسير البروتستانتي للكتاب المقدس حقًا "علمي" كما يبدو لكنَّا نجد نتائجه متفقة مع بعضها البعض. أي أنه إذا كانت طرق التفسير غير منحازة لإتحاه معيّن (كما يراها الكثيرون من البروتستانت) كان لابد أن يأتي كل من استخدمها بنفس النتائج. ولكن، ماذا نجد في الوضع الحالي للدراسات الكتابية البروتستانتية؟

الإجابة على هذا السؤال في تقييم "الخبراء" أنفسهم فالدراسة الكتابية البروتستانتية في مأزق، ونرى هذا المأزق بوضوح في شرح أحد دارسي العهد القديم البروتستانت يسمى "جيرهاد هاسيل" Gerhard Hasel إذ يعترف في تتبعه لتاريخ تطور لاهوت العهد القديم وما وصل إليه الآن، وذلك في كتاب "لاهوت العهد القديم: المواضيع المثارة حالياً" Old Testament Theology: Issues in Current Debate- إذ يقول أنه في خلال فترة السبعينات ظهرت خمس نظريات لاهوتية فيما يخص العهد القديم "ولكن لم توجد واحدة منها تتفق مع الأخرى لا في المنهج ولا الأسلوب".

+ وفي الواقع أنه لمن العجيب حقاً انه برغم ما يدَّعيه الدارسون البروتستانت من مستوٍ عالٍ في دراساتهم للكتاب المقدس فإنك تجد أي شخص يستطيع أن يتبنى أي فكرة تأتي على هواه في أي موضوع ويجد "دراسات جيدة" لتدعيم فكره. بمعنى آخر فإنه يمكنك أن تأتي بأي إستنتاج تريده في أي يوم من الأيام وتستطيع أن تجد رسالة دكتوراه تساند فكرك!! وهذا بالطبع ليس "علم" كما نجد في الرياضيات أو الكيمياء!! فما نتعامل معه نحن الآن هو مجال تعليم يُقدَّم على أنه "علماً موضوعياً"[16] ولكنه في الواقع "شبه علم" يخفي داخله الكثير من الأفكار الفلسفية واللاهوتية المناقضة لبعضها. هو "شبه علم" لأنه إلى أن يستطيع العلماء إختراع الأجهزة التي تستطيع فحص الله وفهمه[17] فإنه سيستحيل القول بأن اللاهوت أو التفسير الكتابي هو "علماً موضوعياً". هذا لا يعني أن كل ما أتت به هذه الدراسات العلمية ليس فيها ما يستحق الدراسة أو لا يوجد فيها ما هو نافع ولكن المقصود انه تحت ستار فكرة الدراسة التاريخية واللغوية المقبولة ظاهرياً وفي خداع "شبه العلم" فإننا نكتشف أن الطرق البروتستانتية لدراسة الكتاب المقدس هي في حقيقتها نتيجة وأداة في نفس الوقت لخدمة الفكر واللاهوت البروتستانتي.

وفي إنحياز فكري نرى الدارسين البروتستانت ينتقون "الثوابت" و "الأدلة " التي تتوافق مع أفكارهم، فيتقدمون إلى دراسة الكتب المقدسة مع الإستنتاجات المقررة مسبقاً في أذهانهم المبنية على أساس فكرهم الخاص. ودائماً ما يصفون أنفسهم سواء كانوا من المتحررين أو المحافظين- بأنهم "العلماء" غير المتحيزين. وحيث أن الجامعات الحدةثة في عصرنا هذا لا تمنح درجات الدكتوراة للعلماء الذين يلتزمون بمجرد تسليم الحق دون غش، فإننا نرى هؤلاء الدارسون يتسابقون على إيجاد كل ما هو جديد من نظريات وأفكار!! وهذا هو جوهر الهرطقة: التجديد، الفكر الفردي المتعجرف، وخداع النفس.

 

المنهج الأرثوذكسي في معرفة الحق

 

+ عندما شملتني مراحم الله واهتديت إلى الإيمان الأرثوذكسي لم أكن أريد أن أنظر إلى البروتستانتية ومنهاجها في دراسة الكتاب المقدس مرة أخرى. ولكن للأسف قد وجدت أن الفكر والأسلوب البروتستانتي قد استشرى في بعض الأوساط الأرثوذكسية والسبب في هذا- كما قلنا سابقاً- هو إضفاء صفة "العلم" على المنهج البروتستانتي لدراسة الكتاب المقدس، ويرى البعض في الكنيسة الأرثوذكسية أنهم يخدمون الكنيسة بإدخالهم هذا الفكر الخاطئ إلى كلياتنا اللاهوتية وكنائسنا. وهذا ليس شيء جديد لأن هذه هي الطريقة التي بها تدخل الهرطقة لخداع المؤمنين. كما قال القديس إيريناؤس عندما بدأ هجومه على الهرطقات في أيامه: "من خلال الكلام الخادع والمزخرف يجذبون بمكر البسطاء إلى فكرهم ولكنهم إذ يلقنوهم بتجاديفهم، يقضون عليهم... فالباطل لا يظهر أبدا مكشوفاً وواضحاً لئلاً كونه مكشوفاً يكتشف أمره. ولكنه يُزَيِّن نفسه بلباس جذَّاب لكيما يبدو أحق من الحق نفسه (وإن كان هذا اللفظ من الصعب قبوله) بشكله الخارجي لغير العارفين"

+ ولئلا يختلط الأمر على أحد سأكون واضحاً: المنهج الأرثوذكسي لدراسة الكتاب المقدس ليس مؤسساً على البحث "العلمي" في الأسفار المقدسة. لا يقوم فهمنا للكتاب المقدس على إمتلاكنا لإكتشافات أثرية فريدة من نوعها ولكن يقوم على علاقتنا الفريدة مع كاتب الأسفار.

+ الكنيسة الأرثوذكسية هي جسد المسيح، عمود الحق وقاعدته ومن خلالها كتب الرب الأسفار (أي من خلال أعضائها) ومن خلالها حفظ الله الأسفار. الكنيسة الأرثوذكسية تفهم الكتاب المقدس لأنها الوارثة للتقليد الحي الذي يمتد في الزمن من آدم إلى كل أعضاءها في يومنا هذا. ونحن لا نستطيع أن نثبت هذا معملياً، بل يجب أن يقتنع الإنسان بهذا من خلال الروح القدس، ويجب أن يختبر الحياة مع الله داخل الكنيسة.

+ عند هذه النقطة سيسأل البروتستانت السؤال التالي:"من له أن يقول أن التقليد الأرثوذكسي هو التقليد الصحيح؟ أو انه يوجد تقليد صحيح أصلاً؟" أولاً ما عليهم إلا أن يدرسوا تاريخ الكنيسة وسيجدون أنه توجد فقط كنيسة واحدة، وكان هذا هو إيمان الكنيسة منذ البدء. نرى ذلك بكل وضوح في قانون الإيمان النيقاوي "نؤمن .. بكنيسة واحدة، جامعة، رسولية" هذه العبارة التي لا زالت كل الطوائف البروتستانتية تدّعي بقبولها- لم تُفَسَّر قَط كإشارة إلى "كنيسة" مشوشة وغير واضحة المعالم ومتعددة الطوائف وغير قادرة على الاتفاق على أي أسس إيمانية! المجامع التي أقرَّت قانون الإيمان كما أقرَّت بقانونية الأسفار- حرمت أيضاً هؤلاء الخارجين عن الكنيسة سواء كانوا مهرطقين مثل "المونتانست" Montanists أو منشقين مثل "الدوناتست" Donatists. لم تقل المجامع: "رغم أننا لا نستطيع الاتفاق عقيدياً مع المونتانست إلا أنهم جزء من الكنيسة كما أننا نحن أيضاً جزءاً منها"، بل وعلى العكس من ذلك فهؤلاء حُرِمُوا من شركة الكنيسة إلى وقت رجوعهم إليها وقبولهم فيها من خلال المعمودية والتثبيت (في حالة المهرطقين) أو من خلال التثبيت فقط (للمنشقين) (المجمع المسكوني الثاني: قانون7). فمجرد الاشتراك في الصلاة مع هؤلاء الذين هم خارج الكنيسة كان ومازال ممنوعاً (قوانين الرسل: قانون 45 و 56).

وعلى عكس البروتستانت -الذين يعتبرون من ينشق عن جماعة لتأسيس جماعة أخرى أنه بطل- فالكنيسة الأولى كانت تعتبر هذا من الخطايا الجسيمة، كما يقول القديس أغناطيوس الأنطاكي محذراً: "لا تخطئوا يا أخوتي الذي يتبع الآخر إلى الانشقاق لا يرث ملكوت الله والذي يتبع عقائد الهراطقة لا يكون في جانب الرحمة " (الرسالة إلى أهل فيلادفيا 3:5).

+ السبب الأساسي الذي من اجله نشأت الحركة البروتستانتية هو معارضة الانتهاكات البابوية، ولكن قبل انفصال الغرب الروماني عن الشرق الأرثوذكسي[18] لم توجد تلك الانتهاكات. فالآن يوجد كثيرون من اللاهوتيين البروتستانت قد بدأوا دراسة فترة الألفية الأولى للمسيحية (قبل انفصال الغرب عن الشرق)، وقد بدأوا من خلال ذلك إكتشاف الكنوز العظيمة التي خسرها الغرب (وليس قليلون منهم الذين يتحولون إلى الأرثوذكسية بسب تلك الدراسات!).

فمن الواضح أن واحدة فقط هذه الجمل صحيحة:

(1) لا يوجد تقليد صحيح، وقد قَوِيَت أبواب الجحيم على الكنيسة، وهكذا فقد أخطأ الإنجيل في وعد المسيح للكنيسة أن أبواب الجحيم لن تقوى عليها (مت 16: 18)، وقانون الإيمان النيقاوي في إعترافه بكنيسة "واحدة مقدسة جامعة رسولية".

(2) الإيمان الصحيح كائن في البابوية (أي شخص بابا روما، رأس الكنيسة الكاثوليكية الرومانية) وما يأتي به هذا البابا من إضافات،وتغييرات في عقائد الكنيسة على أساس أنه "نائب المسيح المعصوم من الخطأ".

(3) الكنيسة الأرثوذكسية[19] هي الكنيسة الواحدة التي أسسها المسيح وقد حفظت التقليد الرسولي بأمانة.

فالاختيار للبروتستانت واضح: النسبية، أو البابوية الكاثوليكية الرومانية، أو الأرثوذكسية.

 

الوحدة المسيحية: كنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية

وحيث أن الأساس اللاهوتي للبروتستانتية هو في مبدأ Sola Scriptura، وهذا الأساس لا يأتي إلا بمزيد من الانشقاقات والخلافات، فإننا نجد أن معظم البروتستانت قد تخلوا عن الأمل في فكرة الوحدة المسيحية الحقيقية، بل ويعتبرون فكرة إمكانية وحدة الإيمان غير مقبولة، وعندما يواجهون التأكيدات القوية بخصوص وجوب وحدة الكنيسة التي ذكرناها سابقاً، نجدهم عادة يرفضونها بشدة ناظرين إليها كأفكار منافية للمحبة المسيحية. وإذ وجدوا أنفسهم بدون وحدة حقيقية قد اجتهدوا لإختلاق نوع من الوحدة الزائفة باستحداث الفلسفة النسبية للـ"مسكونية"[20]، حيث لا يدينوا أي فكر إلا الفكر الذي يقول أنه يمتلك وحده معرفة الحق!! ولكننا لا نرى مثل هذه "المحبة" في تاريخ الكنيسة، بل هي مجرد عاطفة إنسانية.

المحبة هي جوهر الكنيسة، فلم يأتي المسيح ليؤسس مدرسة فكرية جديدة، ولكنه قال أنه أتى ليبني كنيسته وأن "أبواب الجحيم لن تقوى عليها" (مت17:16). هذا المجتمع الكنسي الجديد يمثل وحدة عضوية، وليس توحيد لأشخاص منفصلين عن بعضهم البعض، فهذه الوحدة غير ممكنة إلا في الحياة الجديدة التي تأتي من الروح القدس وتُختبر سرائرياً من خلال الحياة الكنسية.

الإيمان المسيحي يربط المؤمن بالمسيح وهكذا يُؤَلِّف من مجموعة أفراد جسد واحد متناغم ، والمسيح يشكل هذا الجسد من خلال اتحاده الشخصي بكل عضو في الجسد وبإعطائهم الروح القدس، روح النعمة، بطريقة فعالة وملموسة. فإذا انفصلت الرابطة بين الإنسان وجسد الكنيسة فإنه يصير محروماً من نفع وفيض الروح القدس، بسبب انعزاله وانحصاره في ذاته.

الكنيسة واحدة لأنها جسد المسيح، و من المستحيل أن تكون منقسمة. الكنيسة واحدة كما أن المسيح والآب واحد. وإذا كان يبدو فكر الوحدة هذا غير معقول للبعض، لكنه معقول جداً لهؤلاء الذين تخطُّوا الفكرة النظرية واختبروا حقيقتها. وإذا كان يبدو هذا الكلام صعباً حتى لا يستطيع أن يقبله الكثيرون إلا أنه حقيقة بالنسبة للكنيسة الأرثوذكسية، رغم ما يتطلبه ذلك من الجميع من إنكار الذات والتواضع والمحبة.

إيماننا بوحدة الكنيسة له وجهتان: فهي وحدة في التاريخ ووحدة في الحاضر أيضاً. فالرسل مثلاً حين فارقوا هذه الحياة لم يفارقوا وحدة الكنيسة، فهم جزءٌ لا يتجزَّأ من الكنيسة كما كانوا أيام وجودهم بالجسد . وعندما نقيم سر الإفخارستيا في أي كنيسة نحن لا نقيم القداس وحدنا، ولكننا نقيمه مع الكنيسة بأجمعها على الأرض وفي السماء. والقديسون في السماء أقرب إلينا الآن من هؤلاء الذين نراهم ونلمسهم، وهكذا في الكنيسة الأرثوذكسية لا يعلِّمنا فقط هؤلاء الذين عيَّنهم الله (الذين لا زالوا هم في الجسد) ليعلمونا، ولكن يعلمنا كل معلمي الكنيسة في السماء وعلى الأرض، فنحن ننصت لتعاليم يوحنا ذهبي الفم اليوم كما ننصت لأسقفنا الحالي.

وهذا يؤثر على طريقة تفسيرنا للكتاب المقدس إذ لا نفسره بمفردنا (2بط20:1)، بل نفسره ككنيسة، وهذا المنهج التفسيري نراه مُعَّرف بواسطة القديس فينسنت من ليرين Vincent of Lerins:

"هنا قد يسأل المرء: إذا كان قانون الأسفار كامل وأكثر من كافي في نفسه، فما الحاجة لإضافة سلطة التفسير الكنسي؟ في الواقع يجب أن نقول أن الكتاب المقدس -بسبب عمقه- لا يُقبل بنفس المعنى من الجميع، فنفس الجزء يفسر بطريقة مختلفة مع اختلاف الأشخاص، حتى أنه قد يبدو لنا أن نفس الجزء يأتي بتفسيرات بعدد قرّاءه .. هكذا فلأجل التشويش الكثير التي قد يحدث نتيجة الأخطاء المتعددة، توجد الحاجة إلى الإرشاد في تفسير الكتابات النبوية والرسولية بحسب الفكر الكنسي الجامع. ففي الكنيسة الجامعة يجب أن نحرص أن نتمسك بما كان يؤمن به الجميع في كل مكان دائماً. هكذا تكون صحة وحقيقة لقب الكنيسة "الجامعة" كما نرى في أصل الكلمة ومعناها الذي يحمل فيه كل ما هو بالحقيقة شامل. نحن نلتزم بهذا إذا اتبعنا مبادئ "الشمولية" (universality) والمرجعية التاريخية (antiquity) والإجماع (consent). نحن نتبع مبدأ "الشمولية" حين نعترف أن الإيمان الحق هو الذي تعترف به كل الكنيسة في كل العالم، ونتبع مبدأ "المرجعية التاريخية" إن كنا لا ننحرف من التفسيرات التي قال أجدادنا وآباؤنا أن لا تتعداها، ونتبع مبدأ "الإجماع" إن كنا في تلك المرجعية التاريخية تتبع تعريفات و أقوال كل (أو تقريباً كل) الأساقفة."

في دراستنا للكتاب المقدس ليس على الشخص أن يبتكر، ولكن عليه أن يفهم ما هو موجود في تقليد الكنيسة. وليس علينا أن نتعدى الحدود التي حددها آباء الكنيسة، ولكن علينا أن نسلم بأمانة التقليدات التي تسلمناها. ولنفعل هذا نحتاج إلى دراسة وتفكير كثير، ولكن بالأكثر: لكي ما نفهم الأسفار بالحقيقة يجب أن ندخل بعمق إلى الحياة السرائرية الكنسية. لذلك ففي كلام القديس أغسطينوس عن كيفية تفسير الأسفار ("في العقيدة المسيحية": كتاب 1-4) يتكلم عن نوعية الشخص الذي يستطيع تفسير الأسفار أكثر من كلامه عن إمكانيات الشخص الفكرية:

(1)  شخص يحب الله بكل قلبه، وخالي من الكبرياء.

(2)  يريد معرفة إرادة الله من خلال الإيمان والمهابة، وليس من خلال الكبرياء أو الطمع.

(3)  قلبه خاضع بالتقوى، وفكره نقي ومائت عن العالم، ولا يخشى أو يحابي الناس.

(4)  لا يبحث عن شيء إلا عن معرفة المسيح والاتحاد به.

(5)  جائع وعَطِش للبر .

(6)  مجتهد في أعمال المحبة والرحمة.

إذا نظرنا لهذا المستوى [الروحاني] الرفيع، فيجب أن ننصت بأكثر خضوع لإرشاد الآباء القديسين، الذين عاشوا هذه الفضائل، ولا نوهم أنفسنا بأننا أكفأ أو أقدر تفسيراً لكلام الله منهم. ولكن ماذا عن المجهود الذي بذله الدارسون البروتستانت؟

تكون هذه الدراسات متوافقة مع التقليد الكنسي ويكون من الممكن استخدامها إذا كانت تساعدنا في حدود فهم التاريخ والمعاني التي من وراء بعض الأشياء الغير مفهومة. كما قال القديس غريغوريوس النزينزي (التاطق بالإلهيات) حين تكلم عن الكتابات الوثنية:

"كما نستخرج الأدوية المفيدة من بعض الزحافات، هكذا نستطيع أن نستخلص من الكتابات العالمية مبادئ البحث والتفكير، بينما نرفض وثنيتهم"

هكذا إن كنا نبعد عن عبادة آلهة "الفردية" و"التحدةث" و"المجد الباطل الأكاديمي"، وإن كنا نستطيع أن نستخلص الأفكار التي حقًا تلقي الضوء على الأسفار من خلال الشرح التاريخي أو اللغوي، فحينئذٍ سنستطيع أن نفهم التقليد بأكثر وضوح.

ولكن يخطئ الدارسون البروتستانت حين يحاولون تخطي حدود ما تقوله الأسفار المقدسة، وإضافة معاني جديدة عليها للدرجة التي فيها تتعارض مع التقليد الكنسي (الذي هو إيمان الكنيسة في كل زمان ومكان). وإذا كان البروتستانت يعتبرون هذا عجرفة أو سذاجة لينظروا أولاً إلى عجرفة وسذاجة هؤلاء الدارسين الذين اعتبروا أنفسهم مؤهلين للتقليل من شأن (وغالبًا تجاهل) 2000 سنة من التعليم المسيحي!! هل الحصول على درجة الدكتوراة تعطي بصيرة أكثر إلى أسرار الله من الحكمة الكاملة التي لملايين المؤمنين ولآباء وأمهات الكنيسة، الذين خدموا الله بأمانة وكابدوا التعذيب والشهادة والتعيير والحبس لأجل الإيمان؟!

هل تختبر المسيحية في جلسة مريحة على المكتب، أم أثناء حمل الصليب للموت عليه؟!

فالكبرياء هو في هؤلاء الذين اعتبروا أنفسهم اكثر فهمًا وأنهم الآن فقط قد فهموا المعنى الحقيقي للأسفار المقدسة، وكل ذلك دون أن يحاولوا أن يفهموا ما هي حقيقة التقليد المقدس.

 

 

الخاتمة

 

الكتاب المقدس هو قمة التقليد المقدس الذي للكنيسة، ولكن عظمة سمو الكتاب المقدس يأتي من الجبل العظيم الذي يرتكز عليه. إذا أخذنا الكتاب المقدس خارج نطاق التقليد يصبح مجرد كتلة من الطين تتشكل على أي شكل يريده من يمسكها. فهي إهانة للكتاب المقدس أن نسيء إستخدامه ونحرف معانيه، حتى إن كنا نفعل هذا تحت مسمى "الرفع من شأنه".

ويجب أن نقرأ الكتاب المقدس: فهو كلام الله. ولكن لكي ما نفهم رسالته يجب أن نجلس بخضوع وتواضع تحت أقدام هؤلاء القديسين الذين أظهروا أنفسهم "عاملين بالكلمة ولا سامعين فقط" (يع 1: 22)، وقد أثبتوا من خلال حياتهم أنهم مفسرين أكفاء للكتاب المقدس. لنذهب إلى هؤلاء الذين عرفوا الرسل مثل القديس أغناطيوس الأنطاكي والقديس بوليكاربوس إن كانت لدينا تساؤلات حول كتابات الرسل.

 

لنسأل الكنيسة ولا نترك أنفسنا تسقط في خداع الذات بالكبرياء.

 

 

 



[1] هو وحش في الأساطير الأغريقيية له عدة رؤوس وكلما يقطع أحد رأس منها، يظهر رأس آخر بدلاً منه.

[2] يُقصد بكلمة "الإصلاحيين" Reformers مجموعة قادة البروتستانت الأوائل، الذين أطلقوا على انفسهم هذا الإسم كإشارة لزعمهم محاولة إصلاح الإنحراف الذي حدث في الكنيسة الكاثوليكية وكاتب المقال يستخدم نفس التعبير تجاوزاً.

 

[3] البابوية هي العقيدة الكاثوليكية بأن بابا روما هو رئيس الكنيسة على مستوى العالم أجمع بزعم أنه خليفة بطرس الرسول رئيس الرسل !!!وهو على ذلك مندوب الله على الأرض وبالتالي معصوم من الخطأ في إدارته لشئون الكنيسة كما أن وحدة الكنيسة وجامعيتها تقوم أساساً على خضوعها لهذة السلطة البابوية المطلقة وهذة العقيدة عكس ما تؤمن به الكنائس الأرثوذكسية أجمعها.

[4] تم تحديد قانونية الأسفار من خلال المجامع مثل مجمع قرطاجنة 415م ومن خلال تعاليم الأباء كما في الرسالة الفصحية رقم37 للقديس البابا أثناسيوس الرسولي 367م.

[5] هذه القائمة لم يكن المقصود بها إحتواء كل الكتب التي حفظتها الكنيسة وتعتبرها من تقليدها. فمثلاً "سفر أخنوخ" وإن كان مقتبس منه في الكتابات القانونية إلا إنه هو نفسه غير مُدوَّن في القائمة. أنا لا أعرف سبب ذلك ولكن أياً كانت الأسباب فقد قررت الكنيسة أن تحفظ هذا الكتاب ولكن لم تسمح بقراءته داخل الكنيسة أو جعلته مع الأسفار القانونية.

 

[6] فنحن مثلاً لا نجد في الكتاب المقدس ما يناقش موضوع عصمته من الخطأ بالتفصيل. وذلك لأن عصمة الأسفار في العصور الأولى لم تكن موضع جدل على الرغم من أننا نجد الآن أن هذا الموضوع مهم بسبب نمو فكر التشكيك في الأمور الروحية حتى أنه لو كانت الرسائل فرضاً قد كُتبت في يومنا هذا لكانت ستتكلم عن هذا الموضوع بالتفصيل. ولكن ذلك لا يعني أن المسيحيون الأوائل لم يعتبروا هذا الموضوع مهم أو كانوا لا يؤمنون به.

[7] في الواقع هذا ما يفعله العلماء البروتستانت الآن. وإن كانت البروتستانتية قد تأسست على فكرة أن الكتاب المقدس هو المرجع الوحيد للإيمان والممارسة المسيحية. إلا أننا نرى من البروتستانت الآن من لا يؤمنون بوحي وعصمة الأسفار. فهم الآن يقفون من فوقها ويختارون ما يناسب أفكارهم ويرفضون الباقي ويصفونهم كأسياطير، فالمرجعية الوحيدة الموجودة بالنسبة لهم هو أنفسهم!!

 

[8] يجب أن نلاحظ في الترجمة الإنجليزية للعهد الجديد New King James Version:

stand fast and hold the traditions which you have been taught

أن الكلمة المستخدمة هي traditions أي التقليدات وليس teachings مثلاً وهي الكلمة التي نجد معناها في الترجمة العربية المتداولة بين أيدينا إذ نجد كلمة "تعاليم". إذاً فالترجة الإنجايزية أدق في المعنى المقصود كما سيتضح حين ننظر إلى الكلمة في الأصل اليوناني

[9] راجع حاشية رقم (8 ) .

[10]"الوالدنسيين" Waldensians هم طائفة أسسها "بيتر والدو" Peter Waldo في القرن الثاني عشر وهي تعتبر سابقة لحركة الإصلاح البروتستانتي. وبسبب اضطهاد الكنيسة الكاثوليكية لهم هربوا إلى الجبال في الشمال الغربي لإيطاليا. مع بداية الحركة البروتستانتية جاء "الوالدنسيين" تحت تأثير حركة الإصلاح وانضموا إليها. وقديمًا كان يَدَّعي المؤرخون البروتستانت أن هؤلاء يمثلون= =بقية "للمسيحيين الحقيقيين" الذين عاشوا قبل عصر الملك قسطنطين. اليوم لا يستطيع أي مؤرخ صادق إن يَدَّعي مثل هذا الإدعاء. ولكن توجد طوائف كثيرة مثل "شهود يهوة" وأصوليين كثيرين يدعون إنتسابهم إلى الكنيسة الأولى من خلال هؤلاء الوالدنسين. وذلك رغم أن الوالدنسيين مازالوا موجودين اليوم ولا يُقِرّوا بإنتساب هذه الطوائف إليهم!!

 

[12] The Diet of Worms هي جلسة محاكمة لـ"مارتن لوثر" في البلاط الإمبراطوري في مدينة "وورمز Worms" الألمانية تم فيها مناقشة اعتراضاته ضد الكنيسة في سنة 1521م.

[13] هي جماعة ظهرت في بداية البروتستانتية وإختلفت مع اللوثريين الأوائل (أتباع مارتن لوثر ) في أن المسيحي الحقيقي يجب أن يبتعد عن شئون الدولة وأن الإنسان يجب أن يُعمَد عند البلوغ وعدد آخر من النقاط.

[14] ال positivist هي مدرسة فكرية تنادي بأن الإدراك الحسي والإختبار الفعلي هو أساس المعرفة.

[15] أي انهم يحاولون إخضاع كل ما يخص حقائق التاريخ والكتاب المقدس واللاهوت للتحليل العلمي الذي قد يقبل بعض من هذه الحقائق وقد يرفض بعضها الآخر. ومن هنا صار هذا المنهج العلمي هو الذي له اليد العليا في تقييم ما يُقبل وما يُرفض فيما يخص التاريخ والكتاب واللاهوت وهي الأمور التي لا يمكن التعامل معها إلا من خلال بساطة الإيمان.

[16] هكذا يفضِّل اخوتنا البروتستانت أن يقدِّموا دراساتهم في الكتاب المقدس على انها دراسات علمية موضوعية لإضفاء صبغة من المصداقية على ما يقدمونه من دراسات.

[17] فالأمور اللاهوتية لا يمكن تناولها بشكل علمي كما يحدث في العلوم الطبيعية التي تعتمد على فحص المادة بالأجهزة المعملية. فأمور اله لا يمكن أن توجد أجهزة تفحصها بنفس الطريقة.

[18] حدث الإنشقاق سنة 1054م داخل الكنيسة الخلقيدونية إلى غرب كاثوليكي يتبع روما وشرق أرثوذكسي يتبع القسطنطينية كنتيجة للخلاف حول عقيدة إنبثاق الروح القدس من الآب والإبن التي قبلها كرسي روما وأضافها إلى قانون الإيمان دون الرجوع إلى مجمع مسكوني .